الصفحات

Thursday, December 13, 2012

حينما يموت الضمير

حينما يموت الضمير
 
 
سهى بطرس قوجا
حينما يموت الضمير، تموت معهُ الكثير من الأشياء، وتصبح بلا لون أو معنى ومُباحةٍ، ويصبح معها الإنسان مُجرد هيكل جامد، فارغ، صداهُ في داخلهِ فقط! موت الضمير مُشكلةٌ هو، يُعانى منها من تطالهُ خيوط الأفكار المسمومة الممزوجة بازدواجية السلوك، ومُشكلة أكبر يصبح حينما يتعارض مع قيم الحياة والأخلاق والإنسانية بشكل لافت للنظر.
جلستْ مع نفسي أفكر وسرحت بخيالي إلى كل ما يحدث في واقعنا، فقلت أصبح إنسان هذا الزمان غير مفهوم، مُبهم التصرفات، مزدوج الميول، غير آبه بأحدٍ، بحيث أصبح همهُ الأكبر ذاتهُ فقط (طبعًا بنسبة)! لا نعلم هل الحياة بتطوراتها هي من تفرض عليه هذا، أم الحاجة تدفعهُ، أم هو باتْ من نفسهِ يمشي عكس التيار، ولا يُعطي للحياة مقامُها الذي لابدّ أن تكون فيهِ، ليكون هو فيها.
لو نظرنا نظرة خاطفة للأحداث الحاصلة حولنا بمُجملها بدون تمييز، سنرى فيها أن الضمير الإنساني عند موتهِ، يلعب دورهُ ببراعةٍ، ويلهّو فوق جثث الآخرين، مُوسعًا في حياتهِ من المُباحات وراكنًا إليها! كما نراهُ يسعىّ بشكل فعلي إلى: كلام الزور، الخيانة، التدمير، تزييف التاريخ، هدم الحقيقة، المشاكل، القتل، الحروب الغير مُبررة، تدمير بيوت الله، السلوكيات الغير أخلاقية، هونّ الكثير من الأشياء والأمور ....الخ، جميع هذه المصائب تتوالى على البشرية بسبب الإنسان وموت ضميره! مع الأسف بات الضمير عملة نادرة وبات الإنسان مُجرد خادم لرغباتهِ، والمصالح أصحبت هي الغالبة والمُسيطرة، والاستغلال والنفاق بات شعار الكثيرين للوصول إلى مآربهم! أصبحت الازدواجية في الأقوال والأفعال جزء لا يتجزأ من حياة الكثيرين!
وربما قد لا تكون هذه هي الأسباب الوحيدة، فهناك الحالات النفسية الناتجة بسبب الأحداث المارّة في الحياة، هي الأخرى تلعب دورها في داخل البعض وتدفعهم إلى طريق آخر غير طريقهم، يسلكونهُ عند غياب الفكر، وقد يفيقون بعد حين أو يستمرون عليها، ومع ذلك هي ليست مُرتكزات للوقوف عليها، فكل شيء في الحياة لهُ دورهُ ومرحلتهِ وينتهي!
ولكن أن واجهت أي واحدٍ بفعلتهِ التي لا تمدّ لإنسانهِ بصّلة، تراهُ يبرر تصرفهِ بأن الدنيا تغيرت، والزمان لم يعد ذاك الزمان، والإنسان تغير! ولكن هي ليست مُبررات مُقنعة للسير عكس التيار، هذه جميعها لا تُعطي الحق لأيًا كان أن يُمارس عجرفتهِ على الآخرين! لكل إنسان عقل يُفكر وقدرة تعمل وتُميز بين النصفين، وهذا الضمير هو أنتَ الثاني الذي يُحاورك ويتحدث معك ويُقيمك ويُرشدك إلى الصواب حينما تفتح أذنيك وقلبك لهُ، وعكس ذلك فأنت ضائع في دروب الحياة بدونهِ.
أنتَ يا إنسان بهذه الثقافة المُصطنعة تبني قاعدة هشة للأجيال القادمة، أنتَ تُظهر لهم بأن الإنسانية هي مُجرد كلمة لا رديف لها، أنتَ تحول إنسانك مع الزمن إلى مُجرد حجارة لا تحس ولا تشعر بلْ تُضرب بها الآخرين، أنتَ بهذا تُلغي الحواجز بين المُباحات والمُحرمات وتجعلها تضيع مع بعضها البعض، أنتَ تخلط الحابل بالنابل، أنتَ بهذا تُعميّ القلوب وتُخرس الألسنَ وتفتح الأفواه على كلام لا معنى لهُ، أنتَ بهذا تواكب تطورات العصر ولكن تُجاملها لا تتقنها، تعيش في كهوف الماضي!
إذن مشكلة البشرية أنها لا تقف على إنسانيتها وتُعطي للضمير حقهُ، أصبح معظم البشر على حسب أهوائهم يشكلون حياتهم وحياة الغير، يفرضون فكرهم الجامد والمنحرف ومن ثم يدعون الكمال والاستقامة والصواب، أصبح ميزانهم مُتأرجح ما بين الخير والشر! ألا تتفقون معي، بأن الإنسان أذا أعطى قيمة لذاتهِ وأحبها كذات إنسانية لكانت حياتهِ معزوفة فريدة من كمان فريد، ولكانت مُجريات حياتهِ كجدول ماء صافي عذب، ولكانت مدن حياتهِ تسكنها حمامات بيضاء تُعانق نسيمات الصباح، ولكانت طعم سنين عمره كطعم عصير الرمان.

Wednesday, December 5, 2012

أكذوبة الحنين


أكذوبة الحنين


سهى بطرس قوجا

الحنين والحنان كلمتان تحملان من المعنى فوق التصور، هي مشاعر إنسانية سامية لا تتوافر ألا في النفوس الرقيقة والراقية والقوية والرحيمة. كما وأنهُ لا أحدٌ قادر على منحها للغير بكل جديةٍ وصدق ألا القلة النادرة ممن يحملون بداخلهم علامات الرقيّ الإنساني، وأيضا ممنْ يشعرون بالحنان تجاه أنفسهم، أي بمعنى حبّ الذات من أجل أن تحبّ الآخر، الشعور بالذات من أجل الشعور بالآخر .... يقول:

عادت بعد أن حنتْ وأشتاقتْ! عادتْ بعدما شعرت بالحنين الذي كان! عادتْ تبحث عن الذي لم تجده عند الآخرين! عادت تبحث عن الذي علمتهُ لها معناه ولغتهِ! عادت بعد أن سلبتني خاطري وزرعت الأنين داخلي! عادت بعد أن أشعلتْ جمرّ الشوق بداخلي كل تلك السنين! عادت بعد أن أسقتني من كأس حبها، ثم غادرتني، جاعلةٍ حنيني يرحل صارخًا في رحلة سنينَ عمري الراحلة!
فماذا تريدين مني الآن يا إمرأة أطفأت بريق حياتي؟! ماذا تريدين مني بعد أن عرفت أن حنينك كان أكذوبة؟! هل تريدين سماع عتابي وأنين قلبي؟! هل تظنين أني سأحنْ وأعود؟! إذن أسمعي للنهاية ما سيقولهُ لكِ حنيني وأشتياقي، أسمعي وتعلمي أن ما نحرم الآخرين منهُ سنحرم منهُ لاحقا؟!
أنتِ التي كنتِ ذات يوم، أغلىّ وأروعّ وأجمل شيءً في حياتي، كنتِ غاليتي، مُدللتي، جميلتي، عناقيَّ، عمري، أجمل سنواتي. أيام وليالي أخذني الشوق إليكِ، عندما كانت تشتدّ أمواج الحزن والألم بداخلي، أتذكركِ فكنتُ أبحث عنك بين كلمات رسائلك، عن أنفاسك بين وريقات الأزهار، عن ملامحك بين لوحاتي، عن ذكراك بين صفحات كتبي.

كنتُ أتذكرك مع كل سقوط مطرٍ! كلما كانت السماء تبكي، أسرعت للنافذة، علنيّ أراكِ تتراقصين تحت زخاتها مثلما كنتِ تفعلين، فلا أجدكِ، فاشعر بالبرد يتملكني! أجلس وحيدًا أمام مدفئتي، أتذكر ابتسامتك فابتسم معها وبعدها تتساقط دمعات دافئة من عيني.
حيرني اشتياقي لك! كُنتِ تُغرقيني كلما أُبحر بحنيني إليكِ ولا أجدك، كنت ألحنّ أسمك أغنية لقلبي عليَّ أصبرهُ، فكان ينزف أكثر. أنا كنتُ قيس وأنتِ لستِ ليلى، أنا رجلٌ أحبّ حنينًا كاذبًا من أنثى، أنا رجلٌ أصبح مجنونكِ! عشتُ ألم وعذاب الحبّ وحدي! فيا جميلتي في الهوىّ، أنتِ قتلتِ قلبًا ضاع في دروبّ الفراق وعاش على صمت الذكريات! ضاعَ بعدما زرعتِ فراق ووحشة وفراغ بداخلهِ، بأكذوبتك شعرت بالغربة وباليتم، فأبحث عن وطن يحويني! فما قولكِ بجرح يصرخ ويبكي، ويتألم من قسوة جارحهِ؟!

كان ردها:
أنتَ الجريح وأنا الجارحة، أنا المذنبة وأنتَ المُتسامح ، نعم أنا من رحلتْ وهاجرتْ، وأنا من تخلتْ عن دفئً لا يعوض! ولكن الآن أنا من أبحث عنك، أنا من عادتْ تركع لك! فأنا من طينًا عُجنتْ، ومن ضلع امرئ أخذتْ لأكون أنثىّ. قيل ليّ أن الحياة بستان جميل مليْ بالورود والرياحين! فتمردتْ وعاندتْ ورحلتْ، ولكن مثل عبقّ حنينك لمْ أجدّ، ومثل سواركَ يقيدني بكل قوتهِ لم أعثرّ!

نعم أنا من وضعتْ نفسها في زنزانة وقيدتها بيديها الأثنتين! حاولت العودة ولكن ترددت والأفكار تساورّ خيالي ما بين القبول والرفض منك، وأخيراً قررت العودة لكي أكون كل تملك، وتكون أنتَ كل ما أملك، عدتُ وجراحي تبتسم ابتسامة أمل منكَ، فلا تجعلني أكذوبة وأنا لروحك مطلوبة؟!

الحنين كلمة جميلة ودلالاتها عظيمة، مشاعر جميلة ممزوجة بشوق رنان يرنّ في رحلة الحياة لكل شيءٍ جميل فيها، للأهل، للأحبة، للوطن، للديار، للآمال، للذكريات ...الخ. بها تعرف نفسك وإنسانيتك وبها تتواصل مع داخلك ومع الآخرين. فليحافظ كل واحدٍ على تلك البذرة بداخلهِ لكي تتغذىّ روحهُ عليها وتتواصل.

صفحتنا على الفيس بوك


Saturday, November 24, 2012

البحث عن الذات من أجل الآخر

البحث عن الذات من أجل الآخر

سهى بطرس قوجا
حياتنا رحلة بحث دائم من أجل إيجاد الذات. نعم الذات تسكن داخل الإنسان، أنها بداخلهِ، ولكن ليس الكل يعرف أين تختبئ، لا يعرف كيف يجدها ويُخرجها كي تُبهر خارجهِ وتعكس على الآخرين؟! لكونهِ أحيانا كثيرة يُضيعها أو يجعلها مُستترة بتصرفات كثيرة لا إرادية منهُ، ويُبقيها خامدةٌ، راكدةٌ، منسيةٌ! وهو مع الأسف لا يعرف ذلك ولا يُدركهُ ألا في لحظة حرجة من لحظات الحياة، فيتذكرها ويتذكر إنسانهُ ويتذكر الآخر، ويبدأ بالبحث عنها لإيجادها وإرجاعها إلى مسكنها، ولكن بعد ماذا، فربما يكون قد فات الأوان؟!
ولكن هنا نسأل، هذا الآخر من هو؟!
كونكَ تحيا هذه الحياة، فالطبيعي أن يُصادفك أثنان فيها وهما: (الآخر والآخرة)، الأول والمُتمثل بالمُكمل الثاني للحياة (شريك الحياة)، والثاني هو فعلك الجيد في حياتك من أجل آخرتك (الموت)! والأثنان مُترابطان وصلتهما واحدة وعلى علاقة عكسية تبادلية، كون الأعمال تدل على النيات والنوايا، وسواء كانت الأعمال حسنةٍ أم سيئةٍ، فالطبيعي أن تعكس على الآخر أيًا كان في حياتك، وهذا ما سنوضحهُ بشرح مُبسط.
الله حينما أراد الحياة للإنسان، أراد لهُ في نفس الوقت (آخر) مُكمل لهُ، يعيشان الحياة معًا مُتلازمان، مُتكاملان، مُتفاهمان، مُتعاونان، أحدهما يجد نفسهُ في الآخر ومن خلالهِ، يُضحيان معًا بكل شيء واحدًا من أجل الآخر بعيدًا عن الأنانية والذاتية المُنغلقة، وأيضا يقطعان سنوات العمر معًا، فالآخر من هو؟! الآخر هو كل إنسان غير ذاتك أو غيرك (أنتَ)، هو شخصًا آخر غير شخصكَ أنتَ، قد يختلف عنك أو يُخالفك، وأما قد يتوافق معك ويوافقك، وأما قد يكون النقيض أو الشبيه، وهذا واقع موجود، لكن في جميع الحالات، مع هذا الآخر وبهِ تكون أنتَ ذاتك ....  كيف؟! 
الجميع يبحث عن شيء ما في حياتهِ مثل: الطموح، المستقبل، المال، الشهرة، الأمل، الأمان، المتعة، الرقيّ، التعليم، العمل، الآخر ....الخ، لأنهُ يعرف أنهُ بحاجة لهذا البحث من أجل حياتهِ، ولكن أهم هذه جميعها هي البحث عن الذات من أجل الآخر. بحثًا مُتوافقًا ومُتقبلاً لهُ وبالنتيجة سيجدّ الأمور الأخرى تتحقق في حياتهِ بنسبةٍ طبعًا، كون الإنسان عندما يجد ذاتهُ، يكون قد حقق كل شيء جميل في حياتهِ ويكون قد وجدَ الآخر! وهذا الآخر جزء لا يتجزأ ولا يمكن الانفصال عنهُ، بلْ لابدّ من الاتحاد والتوافق والتواصل معهُ وتقبلهِ من خلال تقبل النفس والذات أولاً. فإذا كنت قد تقبلتْ نفسك وذاتك عندها تكون قد تقبلتْ الآخر، بالاحترام والتقدير والتفاهم وبالمعرفة المُتبادلة، وعندها أيضًا تكون أنت هو، وهو أنت (علاقة تكافئية). 
فالإنسان وجدَ في هذه الحياة ليعيش مع الآخر (الإنسان) مثيلهُ، ومن أجل الآخر (الموت)، وعلى حسب نوعية تعاملك مع الآخر يكون مقياس إيجادك لذاتك. فلا يوجد أحدٌ يعيش لذاتهِ ومع نفسهِ، هنا هي الأنانية الانفرادية، كون تفكيرهُ مُتمركز حول نفسهُ ويعيش لها فقط لإرضائها، مُندمجًا معها دون الآخر! وهذا بالتأكيد سيؤثر على ما حولهُ ويجعل العلاقات الإنسانية تتقلص وتتمركز حول نقطة واحدة وهي الذات المُنفردة!
نعم، الذات المُنفردة التي تكون مُجردة من المحبة، والتي هي أساس العلاقات، وكذلك هي أصل التوحد مع الآخر، لذا من يحبَّ ذاتهُ، يحبُّ الآخر ويتقبلهُ ويعينهُ في مسيرتهِ لأنهُ ينظر إليهِ من خلال محبتهِ لنفسهِ.
يكون لهُ عكازًا يستندُّ عليه، لا يتفاخر ولا يتعالى عليه، ولا يقول لهُ، أنت أنتَ، وأنا أنا! لا يجعلهما مُنفردين ولا يضع حاجزًا بينهما، بلْ يقول لهُ:" أنتَ أنا، وأنا أنتَ"، ولنْا طريق واحدة هي (الآخرة) و معًا نحن إليها سائرين. ولاحظوا أنهُ مهما أكثرنا من قول كلمة (أنا) في حياتنا، فإن الآخر يختفي رويدًا رويدًا، لأن هنا الأنانية تسيطر وتأخذ مكانتها في النفس! وأيضًا فعلنْا الجيد سوف لا نجد لهُ وجود أو حضور أو أثر! وعلى مقدار أعمالنْا يكون تواجد الآخر في حياتنا، ومن خلالهِ تُقيم حياتنا ويكون لها معنى وصدى دائم.   
فعندما أحقق إنسانيتي كإنسان من خلال أعمالي وأفعالي التي ترضي الربّ والآخر والبشرية، حينها أكون قد حققتْ ذاتي من خلال الآخر ومن خلال كل ما أقدمهُ لهُ، أيًا كان في حياتنا. وحينها كذلك أكون قد أرضيتْ آخرتي عندما يحين موعد الرحيل، وأعمالنا وأفعالنا التي هي جواز مرورنْا للآخر، وبه نجد ذاتنا التي قد نفقدها في يوم من الأيام إذا فقدنا هذا الآخر ولمْ نعطهِ الاستحقاق الذي يستحقهُ أو الاستحقاق الذي يليق به ويحقق وجودهُ وكيانهِ كإنسان خُلق ليكون إنسان. 
والآخر مثلما ذكرنا ليس شرط أن يكون هو (الشريك المُكمل) للحياة فقط، بلْ الآخر اتسعتْ أفاقهِ ليشمل العالم كلهُ. وعندما تبني ذاتك، تُشكلها، تُحددها، تُكونها من العدم، حتى وإن كانت عصيةٍ، وعندما تفعل كل ما يُرضيها ويُرضي الآخر، فأنك تجدها لتحيا من أجل هذا الآخر، الذي قلنْا عنهُ أنهُ قد يكون المُكمل للحياة أو الآخرة.

صفحتنا على الفيس بوك ::::

هوس رغبة التملك الزائد

 هوس رغبة التملك الزائد

سهى بطرس قوجا
الهوس Mania هو طبعًا مرض من الأمراض النفسية الوجدانية الذي يُصيب عاطفة وفكر الإنسان. فيهِ تضطرب الأفكار وتتشتتْ، ويزداد ميلهُ لحبّ التملك، كما ويفقد التوازن والالتزام بالضوابط الاجتماعية وحسن التصرف. وأيضًا لا يقدر الأمور بصورة صحيحة ومُوزونة.
وهوس رغبة التملك هو حبّ التملك المُفرط فيهِ والزائد عن الحدّ، سواء كان للذات أو لشخص ما أو للمال أو للأشياء، بحيث تزداد هذه الرغبة داخلهِ، مُسيطرة عليه. وأغلب هذه الحالات تتولد لدى الإنسان عند وصولهِ إلى مرحلة ما من حياتهِ يفتقد فيها الكثير، مما يولد داخلهُ شعور من الفشل والإحباط والتردد، فيميل أكثر إلى البحث عن الفاني في هذه الدنيا كتعويض على حساب حياتهِ. وهذا ما سنوضحهُ من خلال قصتنا المعروفة والمأخوذة بعض تفاصيلها من كتاب "الهدية" للشيخ الدكتور إبراهيم الحازمي ( 1384 هـ - 1964 م ) ونرويها كالآتي:
في حفلة أقيمت في فرنسا، سأل الصحفيون سؤال لإمرأة: هل أنتِ أغنىّ إمرأة؟! قالت: نعم، أنا أغنى إمرأة في العالم، ولكن في ذات الوقت أتعس إمرأة! أنها "كرستينا أوناسيس" الأسطورة، الفتاة اليونانية أبنة الملياردير اليوناني الشهير (أوناسيس) أثرى أثرياء العالم، صاحب المليارات والأساطيل البحرية والجزر والطائرات. وكرستينا هي الوريثة الوحيدة لوالدها بعد وفاتهِ.
 والدتها بعد أن عاشتْ حياة مأساوية انتهت بالطلاق توفيتْ، وبينهما مات أخوها بعدما سقطت به طائرتهِ. ووالدها (أوناسيس) بعد طلاق زوجتهِ، تزوج من (جاكلين) زوجة الرئيس الأمريكي (جون كندي)، تزوجها بملايين الدولارات فقط ليبحث عن الشهرة! أنفق عليها الملايين، ورغم ذلك عاش معها في شقاء دائم وخلافات لا تنتهي إلى أن توفيّ! 
عن كرستينا أوناسيس، هذه الفتاة تزوجتْ عدة مرات من عدة دول، باحثة عن السعادة فيهم! أول زواجها كان من رجل أمريكي عاش معها شهورا ثم طلقتْ، وبعد وفاة أبيها تزوجت برجل آخر يوناني وعاش معها شهورا ثم انفصلا كذلك، ثم للمرة الثالثة أرادت أن تجرب حظها فتزوجت روسيًا شيوعيًا! الرأسمالية تلتقي مع الشيوعية؟! كيف هذا؟ تعجب الناس وسألها الصحفيون: أنتِ تمثلين الرأسمالية، فكيف تتزوجين من شيوعي؟! كانت أجابتها: أبحث عن السعادة؟! 
سئمتْ من حياة الترف والعيش في قصور، وبعد زواجها من الروسي ذهبت معهُ في بلدهِ في منزل مُتهالك في أحد أحياء موسكو الفقيرة، وكون النظام لا يسمح بأمتلاك أكثر من غرفتين ولا بخدم، فقد جلستْ تخدم في بيتها، طبعًا الصحافة تتابع تحركاتها وأخبارها، فسألوها: هل من الممكن هذا؟! فردتْ: أنا أبحث عن السعادة! ورغم ذلك لم تجد السعادة التي تبحث عنها في زواجها الثالث أيضًا، فقد لاحقها الفشل والتعاسة وعاشتْ مع زوجها الروسي سنة ثم بعدها فارقتهُ!
وأخيرًا تزوجت للمرة الرابعة من رجل فرنسي وأنجبت بنتًا سمتهّا (أثينا)، ثم أنفصلت عنهُ هو الآخر! فتمكن الاكتئاب المُزمن من التوغل إلى أعماقها والحزن الشديد يسيطر عليها! وهكذا قضت حياتها تتزوج وتُطلق علّ وعسىّ أن تجد السعادة التي لا تجدها في كل الثروة والأموال التي تمتلكها، عاشت تعيسة وبعد فترة طويلة وجدوها ميتة في شاليه في الأرجنتين، لا يعرفون هل ماتت ميتة طبيعية أم أنها قتلت أم انتحرت، وكان عمرها آنذاك سبعة وثلاثين عامًا، بعدها دفنت في جزيرة أبيها، تاركة في هذه الدنيا ابنتها أثينا! ماتت كرستينا وهي تبحث عن السعادة والسلام الداخلي ولم تجدهما؟! 
 وأنت قارئ العزيز، ما هو رأيك: هل السعادة تُمنح؟! هل امتلاك الأموال وجمع المزيد، وحبّ الأشياء مُمكن أن تعوض عن راحة البال أو حتى تملك القليل منها؟! هل الأموال تشتري كل ما هو جميل؟!
بالتأكيد لا ...  كل شيء في الحياة لهُ حدود، ويجب أن نرضى بما قُسم لنْا! نعم، المال ضروري ولكن ليس أهم من النفس! فالحياة ليستْ في أمتلاك الأشياء والأموال التي لا روح ولا معنى لها، بل هي في السعادة التي نجدها في داخلنا وفي أعماقنْا، وبكل عمل صالح نقدمهُ للآخرين، ولكن بعض البشر عندما تتمكن أنانيتهم وغرورهم منهم، يقتل تلك السعادة ومعها يقتل كل معنى جميل.
والعالم كل يوم فيهِ الجديد والمثير، فلا تجعل العالم يمتلكك بأشيائهِ ولا تجعلهُ يُغريك بها ولا تسعّى إليها وتُعطيها الأولوية في حياتك، لأنك بسعيك إليها تفتقر أكثر مما تُغنى، وتفقد المحبة من داخلك، التي هي أساس الحياة، وبافتقادك لها تفقدُ معها كل شيء! وليس بالضرورة أن نمتلك كل ما نريدهُ ونرغبهُ، لابدّ أن نكتفي ونرضى بالاكتفاء.
صفحتنا على الفيس بوك

Sunday, November 4, 2012

فتاة في الليل

 فتاة في الليل


 
سهى بطرس قوجا
تأخرت هذا اليوم دونًا عن كل الأيام في العودة للبيت، كنت أجول بعربتي الصغيرة أبيع ما تبقى فيها من فواكه وخضار، وفجأة لمحت فتاة تجري نحوي تستنجد بي، مذعورة وخائفة وتلهث من شدة جريها، قالت لي بصوت مُضطرب:" يا عم .. يا عم، أرجوك ساعدني!!"
هدأت من روعها وقلت لها:" لا تخافين، ما المشكلة يا ابنتي، ولمْا أنتِ وحدك في هذا الليل؟!"، قالت:" أنها فتاة تدرس وتعمل، ثم أردفتْ تُكمل، أنني طالبة في الجامعة أدرس في النهار، وفي المساء أعمل لكي أنفق على دراستي وأساعد والدي في المصروف، وبينما كنت اليوم خارجةٍ من عملي كالعادة في توقيتي بالضبط، لمحتْ سيارة تلاحقني وتقترب مني، ومن بداخلها يرمقونني بنظرات غريبة ويلقون على مسمعي ألفاظ بذيئة وكلمات جارحة، فخفتْ منهم وجريتْ بأقصى سرعتي!". 
ثم قالت:" أترجاك يا عم أن أقف عندك قليلا ريثما يغادرون في سبيلهم، هذه أول مرة يحدث معي هذا، لا أعلم لمْا يفعلون ذلك"، طمأنتها بعدم الخوف، ثم سرتْ معها للشارع المقابل واستأجرت لها سيارة أجرة توصلها لبيتها في أمان. وبينما هي في طريقها للعودة قالت لي:" أعتذر يا عم على إزعاجك ... وشكرا لكَ".
ذهبتْ بسلام وغابتْ لكن وجهها المُكتسي بالصفرة من الفزع والخوف من المجهول لمْ يغبّ عن مُخيلتي! فتاة تكافح وتُضحي من أجل مُستقبلها ورسالتها وحياتها، فتاة يحمل وجهها كل البراءة والرقة، لم تكن قد وضعت في حسابها أنهُ ممكن في يوم من الأيام أن تصادفها هكذا أمور غريبة من بشر يحملون طبائع وتصورات وظنون أغرب! بشر ليس لهم ألا الظاهر والقيل والقال!
أنا أيضا عدت أدراجي للبيت، وفي الطريق كنت أفكر وأقول بيني وبين نفسي:" كم فتاة وفتاة في مُجتمعنا لحقها الأذى والألم؟! كم فتاة لقُبتْ بالساقطة لمُجرد أنها كانت تسير وحيدة بالليل؟! كم من فتيات قبعنْ خلف الأسوار بسبب بشر لا يستحقون الكلمة؟! كم من فتاة وضع حولها ألف علامة تعجب واستفهام؟! مع الأسف على مجتمع ما زال يظن ويؤمن، أن فتاة وحيدة في الليل ليس لها معنى واحدٍ وهي أنها " فتاة ليل أو ساقطة"! 
مع الأسف على بشر ينسون أن الحياة فيها الكفاح، المرض، الفرح، الشدائد، الفقر، الحاجة ....الخ! مع الأسف على بشر ينسون حين يتهمون وينتقدون غيرهم، بأنهم بشر مثلهم ولكن عقلياتهم ما زالت مقيدة بأفكار ذا نزعة فردية!
 بشر يحللون ويفسرون ويفترضون ويظلمون من خلال مقياسهم وزاويتهم، وفي النهاية تمضي حياتهم في هذا العالم حسب تلك الأفكار والنزعات، فيظلمون نفسهم ويظلمون غيرهم وهم في دور الظالم! بشر ناقصي الثقافة، ينمون في مجتمع ناقص، لينتجوا أفرادًا ناقصين!

صفحتنا على الفيس بوك

Monday, October 22, 2012

هوس رغبة التملك الزائد

 هوس رغبة التملك الزائد

سهى بطرس قوجا
الهوس Mania هو طبعًا مرض من الأمراض النفسية الوجدانية الذي يُصيب عاطفة وفكر الإنسان. فيهِ تضطرب الأفكار وتتشتتْ، ويزداد ميلهُ لحبّ التملك، كما ويفقد التوازن والالتزام بالضوابط الاجتماعية وحسن التصرف. وأيضًا لا يقدر الأمور بصورة صحيحة ومُوزونة.
وهوس رغبة التملك هو حبّ التملك المُفرط فيهِ والزائد عن الحدّ، سواء كان للذات أو لشخص ما أو للمال أو للأشياء، بحيث تزداد هذه الرغبة داخلهِ، مُسيطرة عليه. وأغلب هذه الحالات تتولد لدى الإنسان عند وصولهِ إلى مرحلة ما من حياتهِ يفتقد فيها الكثير، مما يولد داخلهُ شعور من الفشل والإحباط والتردد، فيميل أكثر إلى البحث عن الفاني في هذه الدنيا كتعويض على حساب حياتهِ. وهذا ما سنوضحهُ من خلال قصتنا المعروفة والمأخوذة بعض تفاصيلها من كتاب "الهدية" للشيخ الدكتور إبراهيم الحازمي ( 1384 هـ - 1964 م ) ونرويها كالآتي:
في حفلة أقيمت في فرنسا، سأل الصحفيون سؤال لإمرأة: هل أنتِ أغنىّ إمرأة؟! قالت: نعم، أنا أغنى إمرأة في العالم، ولكن في ذات الوقت أتعس إمرأة! أنها "كرستينا أوناسيس" الأسطورة، الفتاة اليونانية أبنة الملياردير اليوناني الشهير (أوناسيس) أثرى أثرياء العالم، صاحب المليارات والأساطيل البحرية والجزر والطائرات. وكرستينا هي الوريثة الوحيدة لوالدها بعد وفاتهِ.
 والدتها بعد أن عاشتْ حياة مأساوية انتهت بالطلاق توفيتْ، وبينهما مات أخوها بعدما سقطت به طائرتهِ. ووالدها (أوناسيس) بعد طلاق زوجتهِ، تزوج من (جاكلين) زوجة الرئيس الأمريكي (جون كندي)، تزوجها بملايين الدولارات فقط ليبحث عن الشهرة! أنفق عليها الملايين، ورغم ذلك عاش معها في شقاء دائم وخلافات لا تنتهي إلى أن توفيّ! 
عن كرستينا أوناسيس، هذه الفتاة تزوجتْ عدة مرات من عدة دول، باحثة عن السعادة فيهم! أول زواجها كان من رجل أمريكي عاش معها شهورا ثم طلقتْ، وبعد وفاة أبيها تزوجت برجل آخر يوناني وعاش معها شهورا ثم انفصلا كذلك، ثم للمرة الثالثة أرادت أن تجرب حظها فتزوجت روسيًا شيوعيًا! الرأسمالية تلتقي مع الشيوعية؟! كيف هذا؟ تعجب الناس وسألها الصحفيون: أنتِ تمثلين الرأسمالية، فكيف تتزوجين من شيوعي؟! كانت أجابتها: أبحث عن السعادة؟! 
سئمتْ من حياة الترف والعيش في قصور، وبعد زواجها من الروسي ذهبت معهُ في بلدهِ في منزل مُتهالك في أحد أحياء موسكو الفقيرة، وكون النظام لا يسمح بأمتلاك أكثر من غرفتين ولا بخدم، فقد جلستْ تخدم في بيتها، طبعًا الصحافة تتابع تحركاتها وأخبارها، فسألوها: هل من الممكن هذا؟! فردتْ: أنا أبحث عن السعادة! ورغم ذلك لم تجد السعادة التي تبحث عنها في زواجها الثالث أيضًا، فقد لاحقها الفشل والتعاسة وعاشتْ مع زوجها الروسي سنة ثم بعدها فارقتهُ!
وأخيرًا تزوجت للمرة الرابعة من رجل فرنسي وأنجبت بنتًا سمتهّا (أثينا)، ثم أنفصلت عنهُ هو الآخر! فتمكن الاكتئاب المُزمن من التوغل إلى أعماقها والحزن الشديد يسيطر عليها! وهكذا قضت حياتها تتزوج وتُطلق علّ وعسىّ أن تجد السعادة التي لا تجدها في كل الثروة والأموال التي تمتلكها، عاشت تعيسة وبعد فترة طويلة وجدوها ميتة في شاليه في الأرجنتين، لا يعرفون هل ماتت ميتة طبيعية أم أنها قتلت أم انتحرت، وكان عمرها آنذاك سبعة وثلاثين عامًا، بعدها دفنت في جزيرة أبيها، تاركة في هذه الدنيا ابنتها أثينا! ماتت كرستينا وهي تبحث عن السعادة والسلام الداخلي ولم تجدهما؟! 
 وأنت قارئ العزيز، ما هو رأيك: هل السعادة تُمنح؟! هل امتلاك الأموال وجمع المزيد، وحبّ الأشياء مُمكن أن تعوض عن راحة البال أو حتى تملك القليل منها؟! هل الأموال تشتري كل ما هو جميل؟!
بالتأكيد لا ...  كل شيء في الحياة لهُ حدود، ويجب أن نرضى بما قُسم لنْا! نعم، المال ضروري ولكن ليس أهم من النفس! فالحياة ليستْ في أمتلاك الأشياء والأموال التي لا روح ولا معنى لها، بل هي في السعادة التي نجدها في داخلنا وفي أعماقنْا، وبكل عمل صالح نقدمهُ للآخرين، ولكن بعض البشر عندما تتمكن أنانيتهم وغرورهم منهم، يقتل تلك السعادة ومعها يقتل كل معنى جميل.
والعالم كل يوم فيهِ الجديد والمثير، فلا تجعل العالم يمتلكك بأشيائهِ ولا تجعلهُ يُغريك بها ولا تسعّى إليها وتُعطيها الأولوية في حياتك، لأنك بسعيك إليها تفتقر أكثر مما تُغنى، وتفقد المحبة من داخلك، التي هي أساس الحياة، وبافتقادك لها تفقدُ معها كل شيء! وليس بالضرورة أن نمتلك كل ما نريدهُ ونرغبهُ، لابدّ أن نكتفي ونرضى بالاكتفاء.

Sunday, October 7, 2012

جمالية الحياة ... الابتسامة

 جمالية الحياة ... الابتسامة

سهى بطرس قوجا  
كان وما يزال رغم شعراتهِ البيض يعمل بجد ونشاط، عجوز تجاوز السبعين من عمره، يعمل بستاني في أحدى الحدائق، يزرعها ويُسقيها ويُنظفها ويُقلم الأشجار والزهور ويُنسقها، بدون ملل أو كلل، استغربت منهُ وأنا مارة بالقرب من تلك الحديقة، وتسألتْ؟! كيف يمكن لرجل عجوز أن يقوم بكل هذا الجهد طوال النهار؟! كيف تستطيع كهولتهِ أن تُقاوم؟!
توقفتْ أتأمل في عملهِ وتفننهِ، وكان أول ما وقع نظري عليهِ هي ابتسامتهِ! نعم، ابتسامتهِ، في كل عمل يبدأ به ويُنهيهِ، كان يبتسم كشعور من الرضا عن نفسهِ. تلك الابتسامة التي تتولد في أثناء لمسهِ لأزهار أو شجرة وبين ما يُمتعُّ نظرهُ من خضرتها وجمال روعتها، تلك الابتسامة الخارجة من الأعماق لكل ما هو بديعٌ في الطبيعة، كانت تمنحهُ القوة ليُبدع أكثر وأكثرَ، غير شاعرٍ بتعبٍ أو بتذمرٍ.    
فالابتسامة ليست فقط جمالية الحياة بلْ والروح كذلك. وكثيرين يصفون الابتسامة كلٌ من مُنطلقهِ، البعض يقول أنها جسر للعلاقات الإنسانية، والبعض الآخر يقول أنها فن التواصل بين البشر، والبعض الآخر يُشبهها بالبلسم والدواء للقلوب وللنفوس، والبعض الآخر قال أن الابتسامة هي: السعادة، الأمل، الصداقة، الألم، البراءة، لغة المُحبين، جسر ورسالة للآخر، أجمل كلام صامت، أغنية بلحنٍ جميل، نور القلب، إشراقه الوجه، كنز لا يستطيع أي أحدٍ تملكهُ، وأيضًا ليس كل واحدٍ قادر على منحهِ للآخر .... الخ من الأوصاف، ومهما قلنْا فيها فلنْ نصل لمعانيها، فلا حدود لوصفها وقياسها.  
والابتسامة تبقى الابتسامة التي كثيرا ما تحضرنْا ونحن جالسين لوحدنْا أو مع مجموعة، حينما يحضرنا كلام أو نتذكر موقف سواء كان مُفرحًا أو مُؤلمًا يحمل ذكريات أشخاص، أو ربما طيف من نحبّ زارَ مُخيلتنْا، أو ربما حديث مطروح يأخذنْا بعيداً بخيالنْا إلى أيام لا تعوض تحمل كل جميلاً، فنتذكرهُ ونبتسم ونشتاق، وتظهر تلك الابتسامة على الشفاه والعيون لتنير الوجه، وما أجملها من ابتسامةٍ صافيةٍ وحقيقةٍ خارجة من الأعماق.
فمُجمل جمال شخصية الإنسان تتكامل وتترأى في ابتسامتهِ، لأنها تنبع من الداخل ومن الأعماق، وهي من تُحيي روحهُ وتُجملهُ، وخصوصًا عندما تكون نقية خارجة من القلب، تراها العين ليشعر بها القلب ويُشعرها للآخر. والابتسامة هي لحن جميل تؤلفها الحياة بكل ما هو مُؤلم ومُفرح فيها ليعزفها الإنسان، وهي روعة الحياة وهي من تُعطي لها صورة جميلة.
لكن حياة الإنسان بتناقضاتها وبنسبيتها في كل ما تحتويه، تتعرض أحيانًا للكثير من الضغوطات والتوترات النفسية، والكثير من المُشكلات الحياتية والتجارب الأليمة والمُحزنة التي تجعلهُ يعيش حالة من التقوقع والانغلاق على النفس والسواد، فتتلاشى الابتسامة والفرحة تدريجيًا من حياتهم وربما تتناسى، وإذا تحدثت معهم لبعض الوقت تراهم ينزعجون ويملون ولا يرغبون بمُواصلة الحديث ويميلون إلى الصمت، من شدة ما تركتْ في داخلهم وأعماقهم أثرها، وتلاحظ على وجههم العبوس والتجهم والنظرات الحادة!
صحيح إن الشدائد تكبل الواحد وتجعلهُ كتائه في طريق لا يعرف مخرجًا لها، ولكن لابدّ من تحكيم العقل والتفكير بعقلانية والتحكم بكل شيء قائم ضد الحياة، حتى لا نجعلهُ يُقيد النفس ويسجنها ضمن دائرتهِ، إلى أن تضيق يومًا بعد يوم وتخنقهُ! وما أحوجنا في أيامنا هذه المضنية إلى ما يرفهُ عن نفوسنْا، وينجليَّ ما تراكم على أعصابنا من هموم وضغط الحياة والعمل، ويجلو الصدأ عن أفكارنا، وعلى المرء أن يحاول مُجاهدا مُتابعة المُسليات والمُضحكات، والخروج للطبيعة لأن فيها الهدوء والسكينة وراحة للنفس وللفكر.   
إذن ندعوهم بدعوتنا إلى نبذْ الهموم ورسم البسمة على الشفاه فهي الدواء لكل داءٍ، وإن كنت لا تستطيع فلا تبخل بها على غيرك الذي تلاقيه في دروب الحياة، إن كنت قادراً على منحها، فلا نعرف ظروف الآخرين وقدر همومهم، وهذه البسمة قد تخفف عنهم! ولشعوب العالم أجمع حكم وأمثلة كثيرة تدعو وتحث على الابتسام، منها:" الابتسامة طريقك الأقصر إلى قلوب الآخرين" (حكمة تايلندية)، " أن تشق طريقك بالابتسامة خيرٌ من أن تشقهُ بالسيف" (شكسبير)، " أمسك خبزتك وأطلق عبستك" (من التراث الليبي)، " إذا كنت لا تستطيع الابتسام فلا تفتح دكانًا" (مثل صيني)، " بالابتسام تذلل الصعاب" (شعوب أمريكا)..... الخ.      
فهذه دعوات من أناس عاشوا خبرات وتجارب مختلفة وخرجوا منها بهذه الحكم والأمثال، ليُفهموا من بعدهم أن كل يومًا لهُ جديدهُ، والذي يذهب لا يرجع مثلما كان ولا يعود ولا يتكرر! وكل واحدٍ يملك يومهُ وحياتهُ وهو من يعيشها ويضفي عليها الجديد، فبإرادتك وقناعة نفسك تجعلها جنة خالدة أو صحراء قاحلة! فلما لا تبتسم لنفسك ولغيرك وتجتاز همومك، أليسَ بالابتسام تتخلص من كل ما هو مكبوت في دواخلك، وتشعر براحة نفسية؟! وعالمنْا مليء بالكثير من الشخصيات التي رغم صعوبة حياتهم وقسوتها، إلا أنهم يتغلبون عليها بالابتسام وبث الأمل في النفوس وفتح آفاق الحياة لهم ولغيرهم.

Saturday, September 29, 2012

ما بين الخطيئة والصواب ... خطوط حمراء

ما بين الخطيئة والصواب ... خطوط حمراء

سهى بطرس هرمز
يقال أن الإنسان ولدَّ بطبيعتهِ ميال إلى الخطيئة والرغبة في ارتكاب الخطيئة سواء كان بحق نفسهِ أو بحق الآخرين، وفي الوقت ذاتهُ طبعًا يعرف الصواب مرادفهُ، هنا نسأل إذا كان يعرف الصواب والخطأ معًا ويعرف أن الواحد ضد الآخر! لمْا إذن يميل إلى الخطأ وفعل الخطيئة أكثر؟!   
الخطأ هو النقيض أو الضد والمُخالف لكل ما يجب أن يكون صوابًا. والصواب ضد الخطيئة وهو إصابة الحق في عمل أو قول. وأكيد وهذا ما نؤكد عليه دائمًا لا يوجد إنسان كامل، لكن يوجد إنسان قادر على التفريق والتمييز بين الأمرين ومعرفة أي منهما يحقق وجودهُ وإنسانيتهِ، وبالتأكيد أيضًا مع احترام حقوق الآخرين التي هي مُتصلة بحقوقهِ بنسبة وبجانب معين.
لكن هنالك من البشر من يخلط بين الخطأ والخطيئة، بين الخطيئة والصواب، بين الأسود والأبيض، بين الحق والباطل، بين حقهِ وحقوق الآخرين! مُتناسين أن الإنسان والحياة بأكملها بينهما، مُتخطين الخطوط الحمراء بينهما في سبيل مصالح وغايات شخصية وأنانية وعلى حساب حياة آخرين أحيانًا، مُعتقدين من وجهة نظرهم الانفرادية بأنهم على حق ومن حقهم، أو ربما مرات تكون فقط لمُجرد أوهام وخيالات تنتابُ أفكارهم المريضة! مثل: التعدي على الحقوق بحجة الحق، وفرض بعض العادات والتقاليد البالية في هذا الزمان ومع هذا الجيل والتي تتعارض معهُ ومع فكرهِ وتكوينهِ والتي تأتي بنتائج عكسية لاحقًا، كذلك فرض الرأي على الآخر والذي يُحتمل أن يحملَ الخطأ والصواب معًا وفي قرارة نفسهِ يعلم بهذا، ولكن مع ذلك يفرضهُ ويطبقهُ، خالطًا الحابل بالنابل مثلما يقولون في سبيل جعل رأيهِ هو القائم!
أيضا من يتعود على ارتكاب بعض الأفعال السيئة مثل السرقة والكذب والخيانة وإشاعة الشائعّات وتبادل الاتهامات، وأيضا من يتلاعب بمشاعر الآخرين تحت مُسمى الحبّ، باحثًا عن متعتهِ وواجدًا مُتعة في ذلك هنا يرتكب الخطأ والخطيئة معًا .... و الخ من الأفعال، والتي في النهاية جميعها خطايا تُرتكب بحق الربّ وبحق الإنسان نفسهُ وإنسانيتهِ، وبحق الآخر وإنسانيتهِ وبحق الحياة بأكملها! فلا يجوز فرض الحقيقة بحجة الحق، وفرض الرأي بحجة الرأي الآخر، لابدّ من أعطاء مساحة وحرية لازمة لكي نعرف أن هذا هو الصواب وذاك هو الخطأ، وعدم تخطي الحدود بينهما، لكي لا يتولد طرفًا ثالثًا بينهما مُتمثلا بالخطيئة.  
والإنسان حينما يكون طفلاً وفي السنوات الأولى من عمره يبدأ بإدراك الصواب من الخطأ من خلال ما يلقنهُ والديهِ لهُ من أمور وأشياء، وعندها يبدأ في إدراك أن هذا الفعل أو العمل خطيئة، ولا يجوز فعلهُ أو تكرارهُ، لذلك التربية تساهم بشكل كبير في أن يتغلب الإنسان على ميلهِ للخطيئة ويعرف كيف يقاومها والسقوط فيها منذ بداياتهِ الأولى، حتى وأن كان للوراثة دور في تكوينهِ.  
والبشر بطبيعتهم مُعرضين للوقوع في الخطأ والخطيئة أما بإرادتهم وأما الآخرين من يكونوا السبب في ذلك، أو أحيانًا أخرى ظروفهِ وظروف البيئة المُحيطة هي من تحكم! ولكون الإنسان يحمل الخير والشر في الطينة التي جُبل منها، مثل الأرض التي تُخرج في ذات الوقت كل جيد ورديء. ولكن تبقى عليهِ وهو وحدهُ وبإرادتهِ قادر على الفصل بين الخطيئة والصواب، عندما يُدرك ويستجمع قابليتهِ في توظيف الخطأ بطريقة تنفع النفس والآخرين ويتعلم منهُ ولا يكررهُ.    
لكن أن فعل العكس وكررهُ مرة بعد أخرى إنما يُغالط إنسانهِ المُوجود داخلهُ وينتقم من ذاتهِ وإنسانهِ والحياة، مُبينًا كم هو إنسان ضعيف وسريع العطب! جاعلاً من أخطائهِ وبإرادتهِ تتراكم مع الأيام إلى أن تطرق باب الخطيئة وتدخلهُ إلى مهالكها، باعدًا عن الصواب والحق وعن فضائل الإنسانية والأخلاق!
 والحياة هي هبةٍ ونعمةٍ وهبها الربّ للإنسان، ولابدّ أن يعيش واقع الحياة بما يُرضيهِ ويُرضي خليقة الربّ، وألا لمْا ميزهُ بالعقل؟ ليعرف ويفرق ويُميز به! وإن كان قد وقع ببعض الأخطاء في حياتهِ، فلابد من أن يجعلها عبرة ودروس يتعلم منها أن لا يسير بطريق الخطيئة. وأيضا لو كل واحدًا اعتبر الآخر ذاتهُ وتصرف معها وفق هذا المنطق لقل الشر الموجود بين بني البشر وقرب الكثير من المسافات وسادَّ السلام والاستقرار حياة البشر. لذا لابدّ من معرفة أن بين الخطيئة والصواب خطوط حمراء لا يجوز تجاوزها وخرقها مهما كانت الظروف!

Saturday, September 22, 2012

المرأة في حضارة وادي الرافدين

المرأة في حضارة وادي الرافدين

سهى بطرس هرمز
الحضارات القديمة الأولى ما هي إلا انعكاس للماضي الذي بناهُ أجدادنا والتطور والازدهار الذي تحقق في عهدهم. ولو القينا نظرة على تاريخنا وتصفحنا في صفحاتهِ لوجدنا بأن أعظم الحضارات هي حضارة ما بين النهرين وأنها الأقدم والأعرق والأكثر تأثراً على مسيرة البشرية حتى يومنا هذا. ونحن ورثة تلك الحضارة المتميزة وورثة أولى القوانين المدونة في العالم (قانون حمورابي).
لقد كانت حضارة مابين النهرين في مراحلها التاريخية حضارة واحدة مُوحدة غير مُجزأة والتي استمرتْ أكثر من ثلاثة آلاف سنة. وعلى ضفتي نهري دجلة والفرات نشأتْ أعظم المدن في التاريخ: سومر، بابل، آشور، أور، أكد. وكان أهلها يسمون نسبة إلى أسم مدنهم مثلا: السومريون يدعون هكذا نسبة إلى مدينة سومر، والآشوريون نسبة لمدينة آشور ... وهكذا بالنسبة للبقية. وهنا ليس من الضروري التفريق بين الهويات الحضارية، فهم في النهاية جميعاً هويات عراقية أصيلة ساهمَتْ في تكوينها الشعوب العراقية القديمة في عصورهم المختلفة، والتي مازال تأثير وأصداء هذه الحضارة مُستمر على البشرية لحْد يومنا هذا.
مكانة المرأة في حضارة وادي الرافدين:  
العائلة كانت أساس المجتمع العراقي القديم، وكان الرجل في العصور التاريخية يتمتع بسلطات كبيرة على أفراد عائلتهِ تصل في بعض الأحيان إلى حّد قتلهم أو بيعهم. ومن خلال ما سنوردهُ  بشرح مُختصر عن مكانة المرأة في الحضارات القديمة، أو الأصح ما يُخبرنا به التاريخ، نقع على صورة مؤلمة لواقع المرأة إنسانيًا وثقافيًا وأخلاقيًا، واسترقاقها من قبل الرجل ومن قبل مُجتمعها، مُوضحاً فيها نظرتهِ الضيقة للإنسان قبل أن تكون لنصفهِ المُكمل. فالمرأة مُكملة الرجل ولكن هذا الأمر كان غائب تماماً عن الحضارات القديمة بنسبة، مُقلصين دورها وفرصها في الخوض في الحياة بصورة عامة، وحياة الرجل بصورة خاصة.
1 ـــ المرأة في الحضارة البابلية:
الدولة البابلية (626- 539 ق.م): قامت هذه الدولة على يد أقوام من الجزيرة العربية وهم الكلدانيون، ومن أشهر ملوك هذه الدولة نبوخذ نصر (604-562 ق.م). والى عهده تُعزى مُعظم الآثار المُكتشفة في بابل ومنها (الجنائن المعلقة). 
أما المرأة في الحضارة البابلية كانت عديمة الأهلية، محرومةٌ من حقوقها، كانت مُملوكة وليست مالكة سواء كان للزوج أو الأب، وأيضا ليس لها الحق في أن ترث زوجها بعد موتهِ أو ترث من والدها، على اعتبار أن التركة تكون للذكور وحدهم باعتبارهم امتداد لأسم العائلة. كذلك كانت المرأة تباع من قبل الرجل وكأنها سلعة من السلع، فقد كان الرجل البابلي يُعرض بناتهِ للزواج، بعد أن كان يُنادى عليهم من قبلهِ لكل عابرّ سبيل، وأيضا كان الرجل البابلي يدفع ببناتهِ للبغاء عند افتقارهِ للمال. فكان يتاجر بهنْ من أجل المال.
ليس هذا فقط وإنما كان بإمكان الزوج عند عدم مقدرتهِ على ردّ دينهُ لدائنهِ أن يقدم زوجتهِ أو أبنتهِ للدائن سدادًا لديونهِ! (ولكنهم تحرروا من هذه العبودية في السنة الرابعة). فالمرأة عندهم وبنظرهم لمْ تُخلق ألا لإسعاد الرجل، وكان يُنظر إليها نظرة احتقار. كما كان من حق الزوج أن يحكم على زوجتهِ بالموت غرقًا لأقل الأسباب، كطلبها للطلاق أو إذا كانت مهملة لشئون بيتها وتربية أولادهم فكانت عرضة للحكم عليها بالطلاق دون أن تأخذ شيئاً. كما كان يحق لهُ أن يلقيها في النهر إذا ما شك في سلوكها، لأنهم كانوا يعتقدون أنهُ عند رميها فأن النهر سينقذها إذا كانت بريئة لان آلهة النهر لا تظلم، وإذا لم تكن ستغرق. كما كان للأب وحدهُ القرار الفاصل في زواج بناتهِ، وإليهِ يرجع حق اختيار كنتهِ في ما بعد.
2 ـــ المرأة في الحضارة السومرية:
تعتبر الحضارة السومرية من أقدم الحضارات التي ظهرت في بلاد ما بين النهرين، وقد ظهر اسم سومر في بداية الألفية الثالثة قبل الميلاد، ومن أشهر ملوك سومر (اتو حيكال). والسومريون سبقوا الحضارات البشرية بكل الإبداعات كالشعر والملحمة الأدبية والعلوم والموسيقى وإقامة المدن بمفهوم المدينة، وفيها قامت أولى المدارس والتي أسموها بــ (بيت الألواح) في الفترة من 2300 ق.م.
المرأة السومرية كانت عند السومريون تعامل مُعاملة فظة وقاسية، فلم تكنْ معاملتها أحسن مقارنة بالبلدان المجاورة، وذلك على الصعيد الاجتماعي ومن حيث حريتها وكرامتها. فكان يحق للزوج أن يبيع زوجتهِ وأولاده إذا ما أرهقهُ الدين، كما كان يحق لهُ قتلها غرقًا إذا تخلتْ عن واجبات الأمومة. كما كان يستطيع أن يُطلقها بسبب أو بدون سبب أو يتزوج عليها، أما إذا أرادتْ الطلاق فكانتْ تُقتل!
3 ـــ المرأة في الحضارة الآشورية:
الآشوريون (2000- 612 ق.م) هم من أقوام الجزيرة العربية التي قدمت إلى وادي الرافدين منذ مطلع الألف الثالث قبل الميلاد. عاصمة الدولة الآشورية هي نينوى، ومن أشهر ملوكهم آشور نانيبال صاحب المكتبة المشهورة، وقد أصدر الآشوريون عدد من القوانين سميت بالقوانين الآشورية والتي كانت مدونة على ألواح من الطين المكتشفة.
أما بالنسبة لمكانة المرأة عندهم، فقد أنخفض مركز المرأة الاجتماعي مُقارنة بمكانتها في الحضارتين السومرية والبابلية، فقد كانت تعتبر مُلكاً للرجل، ولهُ الحق في أن يُحرمها من كل ما تملك، ويُطلقها متى أراد. أيضاً كان الآشوريون من أقدم الشعوب الدينية التي أخضعت النساء للحجاب وكان يتضمن ستر الرأس والوجه، وكان يُسمح فقط للمرأة الحُرة أن ترتدي الحجاب، بينما الجواري كانت ترتدين الحجاب عند خروجهنْ مع سيدهم. وهذا ما أكدتهُ الحفريات المُكتشفة حيث تم العثور على لوحات طينية تتكلم بشكل تفصيلي عن الحجاب وقوانين أخرى تفرض على النساء اللواتي لا يرتدينْ الحجاب.
أما بالنسبة للزواج، فالرجل عندما يريد الزواج يُحضر الأصدقاء ويُعلن أمامهم أن هذه المرأة أصبحتْ زوجتهِ ويتم وضع الحجاب على رأسها وتحجيبها. وهناك بعض المواد في القوانين الآشورية القديمة كانت تنص على زواج المرأة وأحيانا على مُعاقبتها ومنها:  مُعاقبة المرأة التي تنطق بالكفر وذلك في (المادة 2) من اللوح الآشوري الأول، بعدم جواز اقترابها من زوجها أو أبنها أو أبنتها.
وفيما يخص الجرائم الجنسية فكانت القوانين الآشورية بشأنها تنص على (اختبار الماء)، مثل اتهام رجل زوجة رجل آخر بالزنى، فكان على المرأة المُتهمة إن تلقي بنفسها في النهر لإثبات براءتها (المادة 17 من اللوح أ من القوانين الآشورية).
هكذا كان حال المرأة في تلك الفترات من الحضارات، كانت قاسيةٌ عليها جداً.  وهذا ما دفع بالملك حمورابي لسنَّ قوانين ووضع نظام يصونُّ فيهِ الحقوق المسلوبة ومنها حقوق المرأة وتحريرها من العبودية.
وبذكرنا نحن لكل ما أصاب المرأة قديمًا، إنما نريد بها العظة والعبّرة، وأن نُعطي للأجيال القادمة دفعة قوية ليرفعوا بكل ثقة وقوة، شعار العدالة والمساواة، ووضع قوانين وتطبيقها فعليًا لحفظ حقوق المرأة وحريتها وإنسانيتها، واستقرارها في مجتمع يعرف قيمة وجوهر هذا الإنسان التي لها دور تاريخي شامل على مرَّ العصور. والمرأة كما هو معروف ما تزال بحاجة إلى الإنصاف والمساواة في كافة ميادين الحياة، وأيضًا ما أحوجها إلى الاهتمام والرحمة والديمقراطية والعدل دون تعصب وتحقير يُقلل من كيانها وأنوثتها.
ونحن لا نريد أن نعيش على أمجاد الماضي، بل نعيش في حاضرٍ نكون نحن صانعيهِ. وأن نثبتْ بأنهُ لدينا القدرة على تحمل المشقة والنضال الطويل لنعاود تواصل الحضارات نحو الرقيّ. وكل ما يهمنا ويعنينا في النهاية هو أن تكون حقوق المرأة كتلة واحدة لا تتجزأ.